صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

285

شرح أصول الكافي

الوحدة ان جميع صفاته تعالى على هذه السبيل ، من أنها بالمعنى الذي له تعالى غيرها بالمعنى الذي في الخلق ، فعلم أن لطفه تعالى على خلاف لطف خلقه لكن أحب ان يشرح عليه السلام ذلك له . فقال عليه السلام : يا فتح ! انما قلنا اللطيف للخلق اللطيف لعلمه بالشيء ، يعني انه انما أطلقنا اسم اللطيف على اللّه تعالى بوجهين : أحدهما للخلق اللطيف يعني لخلقه الأشياء اللطيفة والثاني لعلمه بالأشياء اللطيفة ، ولا شك ان في الموجودات لطيفها وغير لطيفها أشياء لطيفة وهو تعالى عالم بها وصانع لها على الطف وجه ، وقد مرّ سابقا ان كل ما يوصف به المخلوق من الصفات الوجودية فهو في الخالق على وجه أعلى واشرف ، فلا جل ذلك يطلق اسمه عليه تعالى . ثم اشتغل عليه السلام ببيان آثار صنعه في الأشياء اللطيفة ولطائف خلقه في النبات والحيوان الصغار وفي بيان صغر جثتها وحقارتها واهتدائها إلى مصالحها ولطائف أحوالها وادراكاتها وتأليف ألوانها وغير ذلك من أمورها اللطيفة ظاهرها وباطنها . واعلم أن شرح الطافه تعالى بخلقه طويل لا يفي بذكرها الأقلام والصحائف ، وانما يمكن التنبيه على بعض مجملاتها ، بل لو أراد الانسان ان يشرح لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها ، وقد تعاون على اصلاحها خلق لا يحصى عددهم - من مصلحي الأرض وزرّاعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك - وفي تيسير ما يتوقف عليه تناولها من الآلات والقوى كخلق الأسنان عند الحاجة إلى مضغ الطعام وطحنه ثم تقسيمها إلى عريضة للطحن وإلى أنياب للكسر وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع ، ثم القدرة على استعمال اللسان الذي الغرض الأصلي منه النطق ورد الطعام إلى الطحن كالمجرفة « 1 » ، ثم إنشاء الرطوبة اللعابية التي يتعجن بها الطحين من الطعام ليسهل مروره إلى الخلق وهضمه في المعدة إلى غير ذلك من الأمور الجلية والخفية ، لعجز عن ذلك . قوله : علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف لطف بخلق ما سميناه ، اي سميناه لطيفا ، وذلك لان كل فاعل لصفة كمالية لا بد وان يوصف بها أو بما يناسبها مما يليق بمرتبته ، فهو تعالى من حيث دبر الأمور حكيم ومن حيث رتّبها مصور ومن حيث وضع كل شيء

--> ( 1 ) - المجرفة بكسر الميم : المسحاة تتخذ من الخشب يجرف بها التراب ونحوه .